أحدث المواضيع
الرئيسية / محاضرات الكفاءة المهنية للمحاماة / الامر الجزائي وفق قانون الاجراءات الجزائية

الامر الجزائي وفق قانون الاجراءات الجزائية

الامر الجزائيالامر الجزائي ( ordonnance pénale )

الامر الجزائي وهو إجراء من إجراءات المتابعة التي تتخذها النيابة وفق ملائمتها الإجرائية عند إخطار المحكمة بالقضية ، وقد ورد التنصيص عليه بالمادتين 333 و 380 مكرر من قانون الاجراءات الجزائية.
والأمر الجزائي هو أمر بعقوبة الغرامة يصدر عن قاضي الجنح على المتهم بناء على محضر جمع الاستدلالات أو أدلة الإثبات الأخرى بغير إجراء تحقيق وجاهي أو سماع مرافعة.

أولا – أساس الأمر الجزائي :

يستمد الأمر الجزائي أصله التاريخي من أمر الأداء المعروف في قانون الإجراءات المدنية والإدارية ( المادة 306 وما بعدها منه )  فإذا كان مبرر استصدار أمر الأداء هو رجحان ثبوت الدين بناء على الوثائق التي يقدمها الدائن بدون الحاجة للوجاهية في الدعوى  فان مبرر استصدار الامر الجزائي هو رجحان ثبوت الجريمة بناء على محضر جمع الاستدلالات الأولية بدون الحاجة للوجاهية في الدعوى ، كما انه يشترك معه في طريق الطعن فيه بالاعتراض.

ويجد الامر الجزائي مبرره الواقعي من التطورات الاجتماعية والاقتصادية وتشعب العلاقات بين الأفراد ، ووجود مجموعة كبيرة من الجرائم قليلة الأهمية يترتب على إحالتها على المحكمة بالطرق العادية تكدس القضايا و إطالة أمد الفصل فيها لان أزمة العدالة الجزائية هو في تضخ عدد القضايا المعروضة عليها ، ورغبة من المشرع كذلك في تحقيق العدالة السريعة وضمان حقوق الأطراف.

لذلك تقرر إدخال إجراء الامر الجزائي في قانون الاجراءات الجزائية ، وهو إجراء لا يؤدي إلى حرمان المتهم من حقوقه لان القانون أجاز له حق الاعتراض عليه ، وحينها تتم مباشرة الاجراءات العادية في التقاضي.

ويكمن هدف المشرع من تطبيق نظام الأوامر الجزائية في الجنح التي عينها إلى تبسيط إجراءات الفصل في تلك الجرائم وسرعة البت فيها.

ثانيا : شروط رفع الدعوى أمام المحكمة المختصة بإجراء الامر الجزائي :
1- الشروط الموضوعية المتعلقة بالجريمة ذاتها :
– أن تكون الجريمة المرتكبة تحمل وصف الجنحة ومن ثمة فلا مجال للحديث لتطبيق هذا الإجراء عن الجنايات ، ولكن هل يمكن أن يطبق هذا الإجراء على المخالفات التي تتوفر على الشروط الأخرى التي يتطلبها القانون لتطبيق الامر الجزائي ، هنا يمكن أن نستعرض رأيين مختلفين وبمبررات مختلفة :

الرأي الأول : الذي يرى بانه يمكن أن يصدر الامر الجزائي بالنسبة للمخالفات إذا ما توفرت الشروط الأخرى والمبررات تكمن في :
– أن الغرامات الواردة في باب المخالفات هي اقل من تلك الواردة في باب الجنح أي أن السبب الذي أذى للجوء إلى الامر الجزائي في مادة الجنح هو نفسه المبرر لشمول ذلك الإجراء مادة المخالفات ( a priori )
– أن المادة 359 من قانون الاجراءات الجزائية تجيز لقاضي الجنح الفصل في المخالفة المعروضة عليه على قاعدة من يملك الكل يملك الجزء.

كما أن المادة 380 مكرر منعت تطبيق الامر الجزائي إذا ما ارتبطت الجنحة بجنحة أخرى أو مخالفة لا تتوفر فيها شروط تطبيق إجراءات الامر الجزائي بمفهوم المخالفة ( contrario ) أن المشرع يقر بإمكانية تطبيق الامر الجزائي بالنسبة للمخالفات إذا ما توفرت شروط تطبيق الامر الجزائي ، كما أن عدم شمول الامر الجزائي لمادة المخالفات يؤدي إلى جعل إجراء الامر الجزائي غير فعال بالمعنى الذي قصده المشرع منه وهو تخفيف العبء على القضاء الجزائي.

وأن القول بان المخالفات تخضع للوساطة وبالتالي لا داعي لشمولها بإجراء الامر الجزائي هو قول مردود عليه لان إجراء الوساطة لا يشمل إلا المخالفات المرتكبة إضرارا بالأفراد فيما تبقى المخالفات الأخرى التي لا يوجد فيها مركز الضحية ( كمخالفة رمي القاذورات في الطريق العام ) لا تخضع لإجراء الوساطة ناهيك عن أن حتى بعض الجنح تخضع للوساطة وبرغم ذلك فانه يمكن أن يشملها الامر الجزائي

الرأي الثاني : الذي يرى بانه لا يمكن أن يصدر الامر الجزائي بالنسبة للمخالفات لان النص القانوني واضح وقد خص الامر الجزائي في مادة الجنح دون غيرها من الجرائم الأخرى وانه لا اجتهاد مع صراحة النص ، وأن القول بانه يمكن استصدار الامر الجزائي بالنسبة للمخالفات يؤدي إلى خلق امر جزائي في مادة المخالفات.

وهو الامر الذي لم ينص عليه المشرع مما يشكل إنتهاكا للشرعية الإجرائية ، كما انه وفي التشريع المقارن سيما الفرنسي نجد ما يسمى بالأمر الجزائي في مادة المخالفات يختص به قاضي النيابة وليس قاضي الحكم ، بالاضافة إلى أن المشرع جعل من المخالفات التي يحكم فيها بعقوبة الغرامة فقط غير قابلة للاستئناف( المادة 416 من قانون الاجراءات الجزائية ).

الراي الراجح : تبني مبررات الرأي الثاني احتراما لمبدأ الشرعية الإجرائية وذلك لغياب نص خاص إلا انه يمكن للمحكمة العليا أن تحدد موقفها في هذه المسالة عند عرض قضية من هذا النوع عليها أو إنتظار التدخل التشريعي لحسم هذه المسالة من أساسها بجعل الامر الجزائي يشمل أيضا مادة المخالفات:

– أن تكون الجنحة معاقب عليها بغرامة و/أو بالحبس لمدة تساوي أو تقل عن السنتين.
– الوقائع المنسوبة للمتهم قليلة الخطورة ويرجح أن يتعرض مرتكبها لعقوبة الغرامة فقط.
– أن لا تكون الجنحة مقترنة بجنحة أو مخالفة أخرى لا تتوفر فيها شروط تطبيق إجراءات الامر الجزائي.
– أن لا تكون ثمة حقوق مدنية تستوجب مناقشة وجاهية للفصل فيها.

2- الشروط الشخصية المتعلقة بالمشتبه فيه ذاته :

وتتمثل في أن تكون هوية المتهم معلومة وأن لا يكون حدثا ،وأن لا يكون ثمة أكثر من متهم واحد فيما عدا المتابعات التي تتم ضد شخص طبيعي و الشخص المعنوي من اجل نفس الأفعال ( المادة 380 مكرر 07 من ق ا ج )
ثالثا – إجراءات وسلطة القاضي في الفصل في الامر الجزائي :
أ – تقديم طلب استصدار الامر الجزائي من طرف النيابة لمحكمة الجنح :
تتصل محكمة الجنح بملف المتابعة المحال عليها بإجراء الامر الجزائي مرفقا بطلبات وكيل الجمهورية ، وهي الطلبات التي تكون مكتوبة ومتضمنة وقائع القضية و النص الجزائي المطبق و مشفوعة بمحضر جمع الاستدلالات و شهادة ميلاد المتهم وصحيفة سوابقه القضائية.

ب – الفصل في الامر الجزائي من طرف محكمة الجنح :

يفصل القاضي في الامر الجزائي دون مرافعة مسبقة ، وهنا تثور مشكلة هل تفصل المحكمة في الأمر الجزائي في جلسة علنية أو أنه يصدر في غرفة المشورة ، سيما أن الامر الجزائي هو حكم قضائي              ( ورد في الفصل الأول في الحكم في الجنح من ق ا ج ) وتسري عليه تبعا لذلك النصوص الخاصة بالأحكام القضائية أين يوجب الدستور النطق بالأحكام في جلسة علنية.

المشرع لم يتطرق لهذه النقطة الجوهرية ، غير أنه يفهم من عدة إشارات وردت في النصوص القانونية المنظمة لهذا الإجراء انه يتم النطق فيه في غرفة المشورة ومن ذلك ( يفصل القاضي دون مرافعة مسبقة ، يحال الامر فور صدوره على النيابة ، يبلغ الامر الجزائي بأي وسيلة قانونية للمتهم ) وهي إشارات تبين بان فصل القاضي في الامر الجزائي يكون في غرفة المشورة ، غير أنه كان يتعين على المشرع حسم هذه المسالة تفاديا لكل لبس .

قبول الفصل في طلب الامر الجزائي :

ويكون فصل المحكمة في الامر الجزائي إما ببراءة المتهم أو بعقوبة الغرامة ، فإذا كان الامر واضح بالنسبة للعقوبات الأصلية فلا يجوز هنا الامر بغير الغرامة ولا مجال لتطبيق عقوبة الحبس سواء كان نافذا أو موقوف النفاذ.
إلا أن الامر يضيق بالنسبة للعقوبات التكميلية ، هل يجوز للقاضي عند فصله في الامر الجزائي النطق بها أم لا ؟.

لان عدد لا باس من الجرائم التي تتوفر على شروط تطبيق الامر الجزائي تتضمن عقوبات تكميلية خصوصا جنح قانون المرور ، ومرة أخرى نلاحظ أن المشرع اغفل هذه النقطة الجوهرية على خلاف ما نص عليه المشرع المصري بالمادة 324 من قانون الاجراءات الجزائية ( لا يقضى في الامر الجنائي بغير الغرامة التي لا تجاوز ألف جنيه والعقوبات التكميلية وما يجب رده و المصاريف …).

الامر الذي يجعل من عدم التنصيص صراحة على جواز الحكم بالعقوبات التكميلية يجعل من الحكم بها يصطدم بمبدأ شرعية العقوبة.

برغم أن البعض يرى بان نص المشرع على الامر بالغرامة فقط في الامر الجزائي يتعلق باعتبارها عقوبة أصلية فقط أي استثناءا لعقوبة الحبس وان ذلك لا يفهم منه استثناء العقوبات التكميلية التي تخضع للقواعد العامة عند الحكم بها ، كما انه لا يوجد ما يمنع جعل عقوبة الغرامة المحكوم بها موقوفة النفاذ إذا ما توفرت شروط الحكم بوقف التنفيذ طبقا للمادة 593 من قانون الاجراءات الجزائية ، لان المشرع لم يشترط ان تكون العقوبة المحكوم بها نافذة وإنما اشترط فقط الحكم بعقوبة الغرامة.

رفض الفصل في الامر الجزائي :

يتعين على القاضي أن يعاين توفر الشروط القانونية لإصدار الامر الجزائي قبل التطرق لموضوعه ، فإذا رأى بان الشروط القانونية غير متوفرة فانه يعيد ملف المتابعة للنيابة لاتخاذ ما تراه مناسبا وفقا للقانون ،ويمكن حصر أسباب رفض القاضي إصدار الامر في الحالات التالية :

– أنه لا يمكن الفصل في الطلب بحالتها التي هي عليها بدون تحقيق أو مرافعة.
– أن الواقعة نظرا لسوابق المتهم أو لأي سبب آخر ، تستوجب توقيع عقوبة اشد من الغرامة.
– أن المتهم حدث أو غير معلوم الهوية.
– إذا تمت متابعة أكثر من شخص طبيعي ، أو شخص طبيعي وشخص معنوي من اجل أفعال مختلفة.

– اقتران الجنحة بجنحة أو مخالفة أخرى لا تتوفر فيها شروط تطبيق إجراءات الامر الجزائي.
– وجود حقوق مدنية تستوجب مناقشة وجاهية للفصل فيها.
– أن الجريمة المحالة على المحكمة يعاقب عليها بعقوبة الحبس تفوق السنتين .

غير أن صياغة النص ( يعيد الملف للنيابة ) تطرح إشكالية هل يحرر القاضي أمره برفض الفصل في طلب الامر الجزائي ويسبب ذلك بعدم توفر شروطه القانونية ، أم انه يقوم بإعادته للنيابة بدون إصدار امر وذلك بالتأشير فقط على طلب النيابة ، كما أن المشرع لم ينص على جواز أو عدم جواز الاعتراض على هذا الرفض ، عكس ما هو موجود في التشريعات المقارنة كالتشريع المصري الذي لا يجيز الطعن صراحة الطعن في تأشيرة الرفض.

ج – شكل الأمر الجزائي :

طبقا للمادة 380 مكرر 3 من قانون الاجراءات الجزائية فانه يحدد الامر الجزائي هوية المتهم وموطنه وتاريخ ومكان ارتكاب الأفعال المنسوبة للمتهم ، والتكييف القانوني للوقائع والنصوص القانونية المطبقة وفي حالة الإدانة فانه يحدد العقوبة ، ويكون الامر مسببا.

وإذا كانت البيانات المتعلقة بهوية المتهم و وقائع القضية من البيانات التي لا جدال فيها ، فان طريقة تسبيب ذلك الامر يجب أن تنسجم مع طبيعة الامر الجزائي سيما طابعه غير الوجاهي ، وبالاستئناس نموذج لأمر جزائي جنحي صادر عن جهة قضائية فرنسية يتضح أن التسبيب يكون بسيطا جدا يتضمن الإشارة أساسا لثبوت الجريمة للمتهم بناء على محضر الضبطية القضائية.

إذ جاء فيه ( حيث أنه وبالرجوع إلى نتائج تحقيق مصالح الضبطية القضائية فان الوقائع ثابتة قبل المتهم وبان التحقيق المجرى على شخصيته سيما موارده المالية كافية للنطق قبله بعقوبة الغرامة ، ولكون الوقائع قليلة الخطورة لا تستوجب توقيع عقوبة الحبس ، كما أنها لا تمس بحقوق الضحية ، فانه يتعين إدانة المتهم بارتكابه ما نسب إليه وعقابه طبقا للقانون ).

وان كان يظهر من خلال هذا التسبيب انه بسيط لكنه ينسجم مع طبيعة الامر الجزائي وطبيعته المبنية على تبسيط الاجراءات من بدايتها إلى غاية صدور الامر الجزائي( نموذج مرفق لأمر جزائي صادر عن جهة قضائية فرنسية ، و نموذج مرفق يتضمن مقترح لأمر جزائي).

د- الاعتراض على الأمر الجزائي :

للنيابة حق الاعتراض على الامر الجزائي وذلك خلال اجل عشرة أيام من تاريخ إحالة الامر الجزائي عليها         ( يحال عليها فور صدوره ).

يبلغ المتهم بالأمر الجزائي بأي وسيلة قانونية ، ويكون له اجل شهر واحد من الاعتراض على الامر الجزائي ، وفي حالة عدم اعتراضه ينفذ الامر وفق قواعد تنفيذ الأحكام الجزائية ، وفي حالة الاعتراض فان أمين الضبط يخبر المتهم شفاهة بتاريخ الجلسة ويثبت ذلك في محضر يترتب على الاعتراض سواء من طرف النيابة أو المتهم أن تعرض القضية أمام محكمة الجنح التي تفصل فيها بحكم غير قابل لأي طعن إذا كانت العقوبة المحكوم بها تتضمن عقوبة سالبة للحرية أو غرامة تفوق عشرين ألف دينار جزائري بالنسبة للشخص الطبيعي أو مئة ألف دينار جزائري بالنسبة للشخص المعنوي .

ويجوز للمتهم التنازل صراحة عن اعتراضه قبل قفل باب المرافعة وعندها يستعيد الامر الجزائي قوته التنفيذية ولا يكون قابل لأي طعن.

لم يتطرق المشرع لحالة عدم حضور المعترض جلسة الاعتراض المبلغة له شخصيا ، بما يفيد بان المحكمة هنا تتصدى لموضوع القضية بغض النظر عن حضوره أو غيابه ويكون الحكم هنا حضوريا اعتباريا طبقا للمادة 347 من قانون الاجراءات الجزائية ، طالما أن المعترض قد بلغ بالجلسة شخصيا و هنا أيضا لا مجال للحكم باعتبار الاعتراض كان لم يكن كما هو الحال بالنسبة للمعارضة ، لعدم التنصيص على هذا الجزاء في قانون الاجراءات الجزائية.

يعتبر الامر الجزائي في مادة الجنح إجراءا فعالا للتقليل من عدد القضايا في جداول المحاكم الجنحية و الغرف الجزائية بالمجالس القضائية ، وذلك لإجراءاته المبسطة ولسرعة الفصل في القضايا المحالة بناء عليه ، وحبذا لو يتم توسيع هذا الإجراء لمادة المخالفات.

عن زروق عبد الحفيظ

أنا الاستاذ زروق عبد الحفيظ مدير ومشرف موقع المكتبة القانونية الجزائرية من مواليد 1983 حاصل على شهادة ليسانس من جامعة قاصدي مرباح بورقلة ومتحصل على شهادة الكفاءة المهنية للمحاماة من نفس الجامعة وانا حاليا امارس مهنة المحاماة أحب إفادة جميع طلاب القانون بدأت نشر المحتوى القانوني باللغة العربية منذ سنة 2013 ، حيث أسست المكتبة القانونية الجزائرية من أجل إفادة طالب القانون بجميع مايحتاجه خلال دراسته وبحوثه،اللهم إجعلنا سببا في افادة ومساعدة الاخرين.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *